الـمـلـكـة أروى بنت أحمد الصليحي

سـيـدة بـنـت أحـمـد الـصلـيـحي
(440 -532هـ/1049-1138م)


يقال إن الـيمـن لاتصلح بدون حكم إمرأة ، كلـنـا قـرأنـا عن الـملـكـة بلـقـيس الـتي ذكرت في الـقـران الكريم مع الـنبي سليمان والـتي حكمت سبأ وكما عرف إن في عهدها أنتشر الأمن وساد العدل ، أما بلقيس الصغرى فهي الملكة أروى بنت أحمد الصليحي الـتي أشتهرت بهذا الأسم وإنما أسمها الحقيقي سيدة بنت أحمد الصليحي الـتي حكمت اليمن لأربعة عقود ساد فيها الإستقرار السياسي وإنتهت الفوضى والخلافات الـعشائرية .

قيل عنها بإنها أول إمرأة تتبوأ كرسي الحكم في الإسلام ، الملكة الـيمنية الـتي أدارت شؤون بلادها بكفاءة وبراعة ، فواجهت أعداءها بحكمة وشجاعة ، إنها أروى الصليحية الـتي لاتزال شواهد الـيمن تحكى قصة حكمها وحكمتها ، أي أنها حكمت عملياً نصف قرن ، وكان يمدحها الإسماعيلية بتسميتها بلقيس الصغرى ، ويستعيرون شعر المتنبي لمدحها:
*ولو كان النساء كمن فقدنا * لفُضلت النساء على الـرجال*
*وما الـتأنيث لاسم الشمس عيب * ولاالتذكير فخر للهلا*

جاء في الـمـوسوعة الـيمنية الـصادرة عن مؤسسة الـعفيف الـثقافية) (1/264) بإن الملكة أروى بإنها هي الملكة سيدة بنت أحمد بن جعفر بن موسى الصلـيحي ، وأسمها (سيدة) تكاد تجمعُ عليه أغلبَ المصادر الـتاريخية ، ويورده كذلك معاصرها عمارة الـيمني ( تـ 569هـ/1147م) ، ويتابعه بقية المؤرخين ، ويتفق معهم في ذلك المؤرخون الإسماعيلـون ، ومن أبرزهم إدريس عماد الدين الذي يقول بذلك ، ويستند إلى نص وصيتها الـتي تقول في مستهلها :
هذا ما أوصت به (سيدة) ابنة أحمد ، وكذلك في أكثر من موضع من الوصية مِمَّا يقطع الشك باليقين ، أما أسم أروى فنرجح أنه لحقها في عصر متأخر كثيراً ولأسباب مانزال نجهلها ..

ولدت في (حراز) غرب صنعاء ، ونشأت في حجر أسماء بنت شهاب (أم المكرم الصليحي أحمد بن علي) ، وتزوجها المكرم ، وفلج ، ففوض إليها الأمور ، فاتخدت لها عاصمة (ذي جبلة) ..

قامت بتدبير المملكة والحروب إلى أن مات المكرم سنة 477هـ/1084م) ، وخلفه ابن عمه (سبأ بن أحمد) فكتب خليفة مصر إلى الحرة : قد زوجتك بأمير الأمراء سبأ على مئة ألف دينار ، ومات سبأ سنة (492هـ/1099م) ، وضعف ملك الصلـيحيين ، فتحصنت بذي جبلة ، وأستولت على ماحوله من الأعمال والحصون ، وأقامت لها وزراء وعمالاً .. وأمتدت أيامها بعد ذلك أربعين سنةً ، وهي الـتي دبرت في سنة (481هـ/1088م) أو (497هـ/1086م) قتل سعيد الأحول أحد قاتلي علي بن محمد الصليحي والد زوجها ..

يقول أحد العلماء بالإسماعيلية إنها : (تُعَدُّ من زعماء الإسماعيليين) ، فقد أستطاعت سيدة ممارسة الدعوة والحكم بفضل وقوف الدعوة والدعاة إلى جانبها ولما كانت تتمتع به من صفات شخصية وبُعْد نظر وعلم ..

نشـأت الـمـلـكـة أروى وتـولـيـهـا الـخـلافـة :

ولدت أروى في حصن مسار من جبال حراز وأسمها الكامل أروى بنت أحمد بن محمد بن جعفر الصليحي الإسماعيلية ولقبها السيدة الحرة وهي أول ملكة في التاريخ الإسلامي ، أمها رداح أبنة الفارع بن موسى ، من الأسرة الصليحية الـتي حكمت اليمن قديماً ..

تربت الملكة أروى وترعرعت في قصر السلطان علي الصليحي في صنعاء عاصمة الدولة الصليحية بعد وفات والديها اللذان إنهار البيت عليهما ، وتعهدتها زوجة السلطان علي الصليحي بالرعاية والاهتمام ، وعند بلوغها سن الـثامن عشر تزوجت أروى بنت احمد ولي العهد الأمير أحمد المكرم ، وأنجبت له أثنان من الأولاد محمد وعلي ومن البنات أم الهمذان وفاطمة ، وبعد مقتل الملك علي الصليحي بسبب الخلافات العشائرية في ذلك الوقت ، تولى الأمير أحمد المكرم الخلافة خلفاً لأبيه ، وفي تلك الحقبة المليئة بالصراعات بين الـعشائر ظل الملك أحمد المكرم يتصدى للفتن ويخوض المعارك معركة تلو الأخرى ضد الـمتمردين على السلطة ، وفي أحدى المعارك أصيب المكرم إصابة بالغة جعلته مشلولاً ، وقد كانت أروى الزوجة الوفية الـتي كانت تساند زوجها وتقف إلى جانبه في كل ظروفه لم يجد الملك أفضل منها في الحفاظ على المملكة وتولي الخلافة من بعده ، لذلك أوصاها بالحفاظ على المملكة من بعده والاهتمام بشؤون الدولة ، وقدمت له وعد بذلك ..

حكـم الـمـلـكـة أروى :

تعـتبر أروى بنت أحمد بن علي بن محمد الصليحي ، الحاكم الـثاني للدولة الصليحية ، وقد مارست الملك بدون إنقطاع ، منذ مرض زوجها في عام 473 هجرياً حتى وفاتها في عام 530 هجرياً ..

 بعد وفاة المكرم طمع سبأ الصليحي في الحكم ، إلا إن الخليفة الفاطمي المستنصر بالله أفـتى بتولي أروى للحكم حتى بلوغ أبنها الأكبر سن الرشد ، منذ ذلك الوقت أستلمت أروى مقاليد الحكم على المملكة كان هذا في عام 1098م ، وأول ماعمدت على فعله هو نقل العاصمة من صنعاء إلى جبلة وذلك لكـثرة الـنزاعات القبلية والصراعات في العاصمة صنعاء ، بذلك أمنت مكر أعدائها ، وقد ساد العدل والأخاء في عهد الملكة أروى وذلك لإنها حكمت على مبادئ الـتسامح والاخاء وحرية الـعبادة ، كما أزدهرت البلاد وساد الرخاء الأقـتصادي ..

تقول روايات تـاريخية إن الـملكة أروى تبرعت بكل مجوهراتها إلى الملك الفاطمي في مصر ، وأوصته بنشر الإسلام في الهند ، وفي أواخر حكمها تمردت بعض الإمارات عليها ، مما أستدعى إرسال ابن نجيب الدولة موفداً من الخليفة الفاطمي ، لإخضاع تلك الإمارات ، ومن ثم بدأ ابن نجيب الدولة يسيء إِليها ويستخف بأمرها ويدعي أنها قد كبرت وخرفت وأستحقت أن يحجر عليها ، وحاول أن ينتزع الحكم منها ، ولكن أمراء البلاد وشيوخها ساندوها وأتهموا ابن نجيب الدولة بالتآمر على الخلافة الفاطمية ، فأمر الخليفة بالقبض عليه وإِعادته إِلى مصر ، في نفس السفينة الـتي كانت تقلّه ..

أعمـال الـمـلـكـة أروى :

إن السيده أروى حكمت الـبلاد اليمنية بعد أن شاركت زوجها المكرم في تدبير شؤون لدولة منذ قيامه حتى مات وقبضت على آزمة الأمور في البلاد بيد من حديد عام ( 484_ 532 هـ) أي مايقرب من نصف قرن ضربت فيها أروع المثل من الحزم والثبات والحكمه والـعدل ، وكانت على جانب هذا على مكانة من الفضل والأدب والمعرفه والدهاء وسمو التفكير وسداد الرأي ولها محاسن كثيرة وأعمال خيريه جليلة منها :-

 قامت ببناء جامع السيدة أروى المعروف حالياً في جبلة في اليمن ..

 قامت ببناء جزء من الجامع الكبير في صنعاء ..

بنت الـمرافق الخدمية وجعلت الـكـثير من الأراضي الـزراعية وقف للمواشي ..

 قامت بايصال مياة الشرب إلى كل سكان مدينة جبلة عن طريق سقاية تمتد من أعلى قمم الجبل إلى الـبيوت ..

أهتمت بالعلم والعلماء ووفرت لهم المساكن وأعطتهم رواتب ، كما أمرت بتشكيل حلقات للعلم في جامع جبلة الـتي الـتحق بها طلاب العلم من كل مناطق اليمن ..

 في عهدها قامت ثورة زراعية وتجارية نتيجه الاستقرار السياسي الذي جعل القوافل تأتي إلى الـيمن من كل المناطق العربية ..

 في عهدها سمحت بتعدد المذاهب وحق حرية العبادات وبهذا قلت الـنزاعات ..

قامت بفصل الدعوة للمذهب الفاطمي عن شئون الدولة المدنية ، فأنشأت لها إدارة خاصة متخصصة مستقلة إدارياً ومالياً عن أموال الدولة وعن مركز القرار العسكري والسياسي ، ولم يقف نفوذها عند حدود اليمن ، فقد عهد إِليها الخليفة المستنصر أمر نشر المذهب الفاطمي في عُمان والهند ، وقد ساهمت في نشر المذهب في آسيا ، و إعتبروها زعيماً روحياً لما قدمت لهذه الشعوب من خدمات ..

عملت الملكة أروى إِبان حكمها على تشجيع البناء والـعمارة وإِنشاء المدارس والمستشفيات والمساجد ، كما قامت ببناء جامع صنعاء المشهور بالجامع الكبير ، وإيصال المياه من(خنوه) إلى مدينة (الجند) ، وتبليط مدينة جبله بالأحجار والأسمنت ، وأنفقت الكثير من الأموال في شق الجبال وإقامة الأعمدة وشق الطرق ..

صـفـات الـمـلـكـة أروى :

(1) كانت الـملكة أروى خلوقه وجميلة ، من صفاتها الجمالية إنها بيضاء البشرة مائلة للاحمرارا ، كما كانت لها صوت جهور ، تعتبر الملكة أروى قارئة وكاتبة جيدة ، تحفظ الاشعار ، كما تميزت بذكائها وفطنتها ، وخبرتها بأحوال الناس وقربها منهم هذا الأمر جعلها تنجح في إدارة البلاد والنهوض بها أثناء حكمها ..

(2) كانت تُعدُّ من زعماء الإسماعيليِّين ، وكانت عارفةً بالمذهب الفاطمي ، حتى أنَّ المستنصر بالله الفاطمي كان يُرسل إليها كبار دعاته لـتثقيفها بمذهبهم ، ورفعها من درجة (الدُّعاة) إلى مقامات (الحُجج) ..

ألـقـاب الـمـلـكـة أروى :

بلقيس الـصغـرى كان لقب أطلقه المؤرخون على أول سيدة مسلمة تتولى شئون الحكم وتتوج كملكة ، نظراً لإشتراكها مع الملكة بلقيس الـشهيرة في رجاحة العقل والذكاء ، وهي أروى بنت أحمد الصليحى ، هذا ويؤكد باحثون تاريخيون أن أروى ليس الإسم الحقيقي للملكة ، بل السيدة بن أحمد الصليحي ، وسُميت أروى لأنها قامت ببناء ساقيتان لبلدة جبلة وجامع الجند في تعز ، وأروت أهلها بالماء ، ولم يكن لقب بلقيس الصغرى الوحيد الذي أطلق عليها ، حيث منحها الخليفة المستنصر بالله ألقاب متعددة منها (السيدة الحرّة ، وحيدة الزمن ، سيدة ملوك اليمن ، عمدة الإِسلام ، ذخيرة الدين ، عصمة المؤمنين) ، وتعتبر المرأة الـثانية الـتي حكمت الـيمن بعد بلقيس (ملكة مملكة سبأ) ، وقد ظلت حتى القرن الحادي والعشرين مثلاً أعلى وقدوة لكل فـتيات الـيمن الطامحات واللاتي ينسبن أنفسهن كـ ”حفيدات أروى”..

وفـاة الـمـلـكـة أروى :

عانت الملكة أروى من المرض طويلاً ، ثم توفت عن عمر ناهز الـتسعين عاماً ، دفنت في ضريح لها في المسجد الذي سمي بأسمها ، بعدها ضعفت الدولة الصليحية ، وشكل وفاتها النهاية الـفعلية للسلالة الصليحية ، وإنتهت الدولة تماماً عام 569 هـ بعد غزوة توران شاة لليمن حيث عمرت أروى طويلاً ، وتوفيت عام 532 هـ ، عن عمر يناهز الـ 88 عاماً ودفنت في مسجد كانت بنته ، وقبرها مايزال حتى اليوم مزاراً ، وعلى إِثر وفاتها دب الضعف في جسد الدولة الصليحية وتفككت أوصالها وصار الأمر فيها إِلى الأمراء من آل زريع ، وإنتهى أمر الصليحين تماما بعد أن غزا توران شاه بن أيوب الـيمن سنة 569 هـ ..

الـمـلـكـة أروى في كـتـب الـمـؤرخـيـن :

ذكرت بعض المصادر التاريخية أيضاً بإنها ولدت في مدينة جبلة باليمن عام 1050م ، أمها رداح بنت الفارع زوجة أحمد بن علي الصليحي ملك اليمن ، ولقد نشأت في رعاية أسماء بنت شهاب زوجة علي بن محمد الصليحي مؤسس الدولة الصليحية ، وبعد وفاة والدها تزوجت والدتها من عامر بن سليمـان الـزواحي ..

ويروى أن والدها مات في عدن بسقوط الـبيت الذي كان يسكنه ، وإن أروى كانت في هذا الوقت في طفولـتها ..
تزوجت من أحمد بن علي سنة 458 هـ في فترة حكم أبيه ، حيث تولى بن علي الحكم بعد وفاته عام 459 هـ ، وقد انجبت لزوجها أربعة من الأولاد هم علي ومحمد وفاطمة وأم همدان ، وتولت بلقيس الصغـرى أمور الحكم ، عقب تفويض زوجها لها ، فكان أول ماقامت به ، بعد أن غادرت صنعاء ، أن اتخذت مقرها في قصر شيده زوجها في حصن بجبلة ، ونقل إِليه ذخائره وقامت بتدبير المملكة من هناك ، وبسطت سلطانها على القبائل الـيمـانية ، فخضع الناس لها ، وبعد وفاة زوجها سنة 481 هـ إختلف الصليحيون فيمن يتولى الحكم ، وكان زوجها قد أوصى أن تسند أمور الدعوة إِلى الأمير المنصور سبأ بن أحمد بن المظفر الصليحي الذي طمح إِلى الزواج منها ، فلم ترض بهذا الاختيار ، فاحتكم الأمير إِلى المستنصر بالله الفاطمي الذي أمر أروى أن تقبل به زوجاً ، وإن ظل هذا الزواج صورياً ، وظلّت أروى تمسك بمقاليد الحكم الفعلية، ولم تلبث أن أستقلت بأمر الحكم رسمياً بعد وفاة زوجها الـثاني سنة 492هـ ، وامتدت أيام حكمها بعد ذلك أربعين سنة ..

قال عنها المؤرخ الحسن الهمداني :
«الملكة أروى على جانب كبير من الأخلاق الفاضلة إلى جانب ما تمتعت به من جمال الخلقة ، فكانت بيضاء اللون مشربة بحمرة ,كاملة المحاسن جهورية الصوت ، قارئة ، كاتبة ، تحفظ الأخبار والأشعار والـتواريخ وأيام العرب» ..

قال عنها الداعي إدريس قس ، في كتاب عيون الأخبار : «متبحرة في علم الـتنزيل والـتأويل والحديث الـثابت عن الأئمة والرسول عليه السلام ، وكان الدعاة يتعلمون منها من وراء الستر ، ويأخذون عنها ويرجعون إليها ، وكانت إمرأة فاضلة ذات نسك وورع وفضل وكمال عقل وعبادة» ..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دعاء الاستحفاظ

الداعي جعفر بن منصور اليمن

اذكار الصباح

النبيّ الهاشمي صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم في سطور

سيدنا / الأحنف بن قيس

مقتطفات تاريخية فاطمية

أواني الكريستال الصخري (البلور) من العصر الفاطمي

الداعي المطلق علي بن محمد بن الوليد الأنف القرشي

من روائع الأديب جبران خليل جبران في إمام المتقين علي بن أبي طالب

إيجابيات العصر الفاطمي