ناصر خسرو (الرحالة المعروف) عليه السلام

 ناصر خسرو (الرحالة المعروف)

(٣٩٤ ـ ٤٨١ هـ)
أبو معين حميد الدين ناصر بن حارث القبادياني المروزي ،رحالة وشاعر وفيلسوف فارسي، اعتنق المذهب الشيعي الإسماعيلي وعمل داعياً له،  ولد في ذي القعدة عام ٣٩٤ هـ في قصبة (قباذيان) قرب ترمذ من أعمال بلخ ، وتوفي عام ٤٨١ هـ ، وهو خراساني الاَصل ، بلخي المنشأ.
وكانت أُسرته من الاَُسر الغنيّة ، وقد اهتمّ والد بتربية ابنه وتعليمه ، فحفظ القرآن وهو لم يبلغ بعدُ التاسعة من العمر، ودرس اللغة العربيّة وآدابها ، والعلوم الاِسلاميّة ، وعلوم النجوم والفلك والحساب والهندسة والجبر وتضلع في الفلسفة ، إلى أن أُطلق عليه الحكيم.

كان شاعراً فحلاً في اللغة الفارسيّة ، وكان رحّالاً ، ترك الاِقامة في موطنه واعتزم القيام برحلات في بعض الاَمصار ، قاصداً فيها مكّة ، يرافقه أخوه أبو سعيد خسرو العلوي ، وغلام هندي ، فقد شرع برحلته في شهر شعبان عام ٤٣٧ هـ فترك مرو وسافر إلى إقليم آذربيجان مارّاً بنيسابور ، فدامغان ، فسمنان ، فالري ، فقزوين ،مّ تبريز ، وقد وصلها في عشرين صفر عام ٤٣٨ هـ ، وبعد أن أتمّ رحلته عام ٤٤٤ هـ ، وقد بلغ من العمر ٥٠ عاماً ، وقطع في رحلته هذه التي طالت سبع سنوات ، مسافة ٢٢٢٠ فرسخاً ـ وبعد أن ـ ساقه القضاء إلى مصر ، وتوطّدت الصلة بينه وبين الخليفة الفاطمي بمصر ، المستنصر باللّه ، أبو تميم معد بن علي عليه السلام، الذي حكم مصر من سنة ٤٢٧ هـ إلى سنة ٤٧٨ هـ ، وقد أثرت فيه دعوتهم له ، فاعتنق مذهبهم على يد أحد حُجّاب الدعوة في القاهرة ، وسمّاه بالباب واجتاز المقامات ، والدرجات الخاصّة بكبار قادة هذا المذهب ، حتى بلغ درجة الحُجّة ، واعتبر أحد الحجج الاثني عشر ، في إحدى الجزر الاثني عشر ، حسب تقسيمات الفاطميين عليهم السلام.

لقد كتب ناصر خسرو في ثلاثة من الأصناف الأدبية – الرحلات والشعر والفلسفة - وكل منها تشكل نافذة لنا إلى شخصيته. إضافة إلى ذلك، هنالك مجموعة من الكتب في الأدب الثانوي من السير الذاتية، والمقتطفات الشعرية والجغرافيات التي تتعرض له ولأعماله. وكان من أقدمها وصف عدائي من قبل أحد معاصريه أبو المعالي، الذي اتهمه بنشر أفكار هرطقية. ومنذ ذلك الحين كانت المراجع عن ناصر خسرو تظهر بدرجات مختلفة من الخيال والتحامل، دورياً، مرة كل قرن تقريباً في المجمّعات الفكرية الرئيسية. وهكذا، فبينما نستطيع أن نشكل من خلال كلماته الخاصة صورة الرجل الذي كان يرغب أن يُرى بها، فإننا نستطيع من خلال الكّتاب الآخرين أن نلمح شيئاً من المشاعر التي كان يثيرها.

وعاد إلى بلخ ، وصار بينه وبين علماء المذهب السني نقاش ومعارضة ، إلى أن ذهب من بلخ قبيل سنة (٤٥٣ هـ) ، فلم يزل ينتقل من مدينة إلى مدينة ، إلى أن انتهى به المطاف سنة (٤٥٦ هـ) إلى مدينة « غاريمكان » الواقعة قرب مدينة بدخشان ، وأقام فيها مختفياً إلى أن وافاه الاَجل عام (٤٨١ هـ) فدفن هناك ، وقبره اليوم مزار للاِسماعيليّين. وقد ترك آثاراً كثيرةً نشير إلى بعضها :

١ ـ « زاد المسافرين » الذي انتهى منه في سنة ٤٥٣ هـ ، وهو من أضخم موَلفاته.

٢ ـ « وجه دين » في عقائد الاِسماعيليّة.

٣ ـ « خوان اخوان » في الفلسفة.

٤ ـ « دليل المتحيّرين » الذي أراد أن يثبت فيه أحقّية المذهب الفاطمي.

٥ ـ إكسير أعظم في المنطق ، أو الفلسفة.

٦ ـ « رسالة المستوفي » في الفقه الاِسماعيلي.

7. سفرنامه دوّن فيه أخبار أسفاره في أرجاء العالم الإسلامي،امتاز بوصف دقيق لبيت المقدس ووصف نادر لأحوال وسط وشرق الجزيرة العربية أيام القرامطة والأخيضريين في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). الكتاب باللغة الفارسية ويتمتع بقدر من الشعبية في إيران، إلا أنه مترجم أيضاً إلى العربية.


في العصر الذي كانت فيه اللغة الدولية للنقاش السياسي والفكري من أسبانيا إلى الهند هي العربية، ميز ناصر خسرو نفسه بكتابة كل أعماله تقريباً بلغته القومية الفارسية. كان معظم نظرائه الفرس - ومن بينهم ألمع نجوم التاريخ الفكري الإسلامي، كالفيلسوف ابن سينا والفارابي والبعض من زملائه الإسماعيليين – قد حرصوا على أن يكتبوا على الأقل بعضاً من أعمالهم، باللغة العربية، إذ أنهم بذلك يضمنون شهرة أوسع. فعلى سبيل المثال، كتاب ابن سينا في الطب ’القانون‘، والذي ترجم من العربية إلى اللاتينية، كان يستخدم كمرجع رئيسي في الطب في أوروبا حتى العصر الحديث تقريباً، وعنوانه أدخل كلمة ’قانون‘ إلى اللغات الأوروبية. من المؤكد أن ناصر خسرو كان ملمًا باللغة العربية، وهناك آراء تقول بأنه ألف بعض الأعمال بتلك اللغة1. لكن ما هو موجود الآن من أعماله مكتوب باللغة الفارسية، وهذا ما يثير بعض التساؤلات. إذا كان حقاً لم يكتب إلا بالفارسية، فهذا يلقي ضوءاً استفزازياً على الشخص الذي، من كافة الوجوه، اتخذ نظرة أممية عن الحياة. ومن ناحية أخرى، إذا كان قد كتب فعلاً باللغة العربية أيضاً ولكن كل ما تبقى هي أعماله الفارسية، فهذا يبين نوعية الجمهور الذي سمعه ودخلت أعماله قلبه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دعاء الاستحفاظ

الداعي جعفر بن منصور اليمن

اذكار الصباح

النبيّ الهاشمي صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم في سطور

الداعي المطلق علي بن محمد بن الوليد الأنف القرشي

سيدنا / الأحنف بن قيس

مقتطفات تاريخية فاطمية

أواني الكريستال الصخري (البلور) من العصر الفاطمي

من روائع الأديب جبران خليل جبران في إمام المتقين علي بن أبي طالب

إيجابيات العصر الفاطمي