قبسات من سيرة الامام الحاكم بأمر الله والرد على بعض المسائل ٢

 قبسات من سيرة الامام الحاكم بأمر الله والرد على بعض المسائل٢

الرد على من يقول بأن الامام الحاكم عليه السلام أدعى الالوهية:-

علم التاريخ كما هو معروف من أكثر العلوم انقيادًا للأهواء الشخصية وللإيديولوجيات القومية والدينية ولو القينا نظرة على تاريخ الامم والشعوب لوجدنا أن الصراع على السلطة هو الدافع الاكبر لقيام التحالفات وحبك المؤمرات والدسائس ولاشك أن التاريخ الإسلامي كغيره شهد صراعا واحداثا ومؤامرات لا حصر لها أمتدت جذورها الى اليوم منها ما اكتسب طابعا من العنف مريعا ومنها ما انحطت به النفس البشرية إلى الدرك الأسفل والمنزلة المهينة . 
لسنا هنا بصدد استعراض تفاصيل تلك الاعصر السحيقة . وإنّـما الغرض التأكيد على فهم الأسباب الحقيقية ومعرفة مدى شراسة ذلك الصراع الدامي الذي كان فيه أهل بيت النبي محمد الضحية الكبرى لدرجة قد يتعجب منها الشخص عندما يجد أن مأسي أهل البيت والمجازر التي ارتكبت بحقهم من قبل أخصامهم الألداء بني أمية لم تكن بأشد وطأة أو أخف مما حصل لهم من الاضطهاد على أيدي أبناء عمومتهم ال ( العباس) عندما تمكنوا من الاستيلاء على السلطة فانتهجوا سياسة القمع والتصفية الجسدية ضد أخصامهم ومعارضيهم وضد كل من يرون انه يشكل خطرا عليهم ابتدأ ببني أمية وانتهاء بحلفاء الأمس ( بني هاشم ) ولكن التركيز كان على أهل بيت النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم . وبعد قيام الدولة الفاطمية بلغ العداء والتعصب العباسي مبلغا تجاوز كل الحدود وفاق كل التصورات لدرجة أنهم وهذا خبر مشهور يعرفه الخاص والعام قاموا بتأليب الرعاع وعامة الناس واشتروا ضمائر الكتبة والمحدثين وذلك لنشر الإشاعات والأقاويل والقدح في نسب ألائمة الفاطميين وإنه لأمر عجيب حقاً أن تصل الكراهية والعصبية وحب السلطة الى حالة يفترون فيها خلفاء ال العباس على أهل بيت محمد صلوات الله عليهم وينسبونهم إلى غير أمة العرب والمسلمين .


يا لسخرية القدر : 
من الطريف في الأمر أنه بعد وفاة عمر بن الخطاب كان هناك من أحتج على أن ال العباس من الطلقاء الذين لا يستحقون ألإمامة والخلافة بحكم أن والدهم العباس كان طليقا واستدلوا بما ورد في الحديث الشريف ( الإمامة محرمة على الطلقاء وأبناء الطلقاء ) واحتجوا عليهم أيضا بما فعله عمر بن الخطاب عندما أوصى بأن تكون الخلافة شورى وجعلها في ستة ولم يجعل العباس بن عبد المطلب من ضمنهم وقد قيل في ذلك شعرا : 
وللمعلومية : كان العباس بن عبد المطلب وابنه عبدالله رحمة الله عليهما منزهين عن أفعال الخزي والعار التي ارتكبها بنوهم . 
وبما أن موضوعنا الأساسي لا يتعلق بتلك التهمة الكاذبة إلا إننا نود التنبيه إلى أن العديد من المؤرخين المختلفين عقديا مع الفاطميين قد نفوها واستنكروها وسنكتفي بما قاله ابن خلدون حولها : 



ومن الأخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرخين والأثبات في العبيدين خلفاء الشيعة بالقيروان والقاهرة من نفيهم عن أهل البيت صلوات الله عليهم والطعن في نسبهم إلى إسماعيل الإمام ابن جعفر الصادق‏.‏ يعتمدون في ذلك على أحاديث لفقت للمستضعفين من خلفاء بني العباس تزلفاً إليهم بالقدح فيمن ناصبهم وتفنناً الشمات بعدوهم حسبما نذكر بعض هذه الأحاديث في أخبارهم ويغفلون عن التفطن لشواهد الواقعات وأدلة الأحوال التي اقتضت خلاف ذلك من تكذيب دعواهم والرد عليهم‏ .‏ 


أين الدليل على أن الامام الحاكم بأمر الله أدعى الألوهية ؟ من يطلع على بعض الكتب التاريخية خاصة تلك التي لم ينصف أصحابها الفاطميين وذكر فيها بعض المغالطات التاريخية والتهم الباطلة كقولهم أن الامام الحاكم بأمر الله إدعى الألوهية ومنهم على سبيل المثال ( ابن الأثير - الذهبي - ابن خلكان ) لن يخفى عليه مدى تحامل وتعصب أولئك المؤرخين وميلانهم الواضح وأي إنسان منصف سيجد أن رواياتهم ومزاعمهم ضد الامام الحاكم بامرالله لا تخرج عن إطار التكهنات والاستنتاجات الخاطئة ناهيك على أنها غير مدعمة بالأدلة والبراهين وغير موثقة بالمراجع والمصادر التي أستمدوا منها رواياتهم مما يجعلها تدخل في حكم السفسطة والسفسطائيون كما هو معروف هم الذين لا يثبتون حقائق الأشياء . 

حقائق تاريخية : 
لدينا بحمد الله شواهد وحقائق وأدلة دامغة تثبت أن الأقاويل والمزاعم التي أحيطت بشخصية الامام الحاكم بأمر الله عليه السلام وحاولت تشويه صورته هي من قبيل الدس والتحامل والعصبية الرعناء وأول ما نستشهد به : 
1-الأعمال والإصلاحات الاجتماعية التي قام بها الامام الحاكم بأمر الله عليه السلام وذكرها بعض المؤرخين المحايدين مثل المقريزي وغيره . 
2-التصرفات الشخصية والصفات الإنسانية التي أشتهر بها الامام الحاكم بامرالله وبعض مواقفه من العلماء والأدباء وجهوده في مجال نشر لثقافة والعلم .
3-حقيقة ما حصل من الغلاة ( الدروز ) وموقف الامام الحاكم بأمر الله منهم وردود بعض دعاته عليهم .
تأملوا بالله عليكم في هذا التزوير والتدليس المتعمد : 
ذكر أبن تغري بردي في كتابه ( النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ) والذي يوجد فيه الكثير من المغالطات ضد الفاطميين نقلا عن أبو منصور الثعالبي بأن الامام العزيز بالله أرسل يسب ويهجو الأموي صاحب الأندلس وقال بالحرف الواحد : وذكره أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر وذكر له هذه الأبيات وقد مات له ابن في العيد فقال ‏:‏
وقال أبو منصور أيضًا ‏:‏ سمعت الشيخ أبا الطيب يحكي أن الأموي صاحب الأندلس كتب إليه نزار هذا يعني العزيز صاحب مصر كتابًا يسبه فيه ويهجوه فكتب إليه الأموي ‏:‏ أما بعد قد عرفتنا فهجوتنا ولو عرفناك لأجبناك‏ .‏ والسلام ‏. قال ‏:‏ فاشتد ذلك على نزار المذكور وأفحمه عن الجواب ‏.‏ يعني أنه غير شريف وأنه لا يعرف له قبيلة حتى كان يهجوه ! ‏ انتهى !! 

ونقول أن الحقيقة عكس ذلك تماما والكل يعلم أن الأموي هو الذي أرسل يسب الامام العزيز بالله عليه السلام واليكم الدليل على كذب هذا المؤرخ وتدليسه : 
ذكر صاحب كتاب ( المستطرف في كل فن مستظرف ) شهاب الدين الابشيهي ( سني ) في الباب الثامن والعشرون ص ( 202 ) هذه الحادثة فقال بالحرف الواحد : 
وكتب الحكم بن عبد الرحمن المرواني من الأندلس إلى صاحب مصر يفتخر : 
وكتب إليه يهجوه فيه ويسبه . !! فكتب إليه صاحب مصر : أما بعد فإنك عرفتنا بهجوتنا ولو عرفناك لأجبناك والسلام . 
وللمعلومية مؤلف هذا الكتاب (الابشيهي ) يقول بأنه أعتمد كثيرا في كتابه هذا على ما أودعه ( الزمخشري ) 
في كتابه ( ربيع الأبرار ) وما نقله ابن عبد ربه في ( العقد الفريد ) . 

هل أنتم بعد هذا في حاجة إلى المزيد من الأدلة بشأن تدليس هولاء المزورين ؟؟؟ تابعوا معي !! 
كنا قد ذكرنا بأن الروايات بخصوص تأليه الامام الحاكم بأمر الله لا تخرج عن إطار الأقاويل والدجل وحتى لا نتهم بالتحامل ضد أحد أو بعدم الإتيان بدليل يؤيد صحة كلامنا سنستعرض بعض ما ذكره المؤرخ ( الذهبي ) في كتابه العبر في خبر من غبر ومن جملة ذلك قوله : 

سنة أربعمائة : فيها أقبل الحاكم - قاتله الله على التألُّه والدين وأمر بإنشاء دار العلم بمصر وأحضر فيها الفقهاء والمحدّثين وعمر الجامع الحاكمي بالقاهرة وكثر الدعاء له فبقي كذلك ثلاث سنين ثم أخذ يقتل أهل العلم وأغلق تلك الدار ومنع من فعل الكثير من الخير ‏.‏ !! 

و يقول في مكان أخر من ضمن مقولة طويلة أعرضنا عن ذكرها كاملة لما فيها من الحشو والأكاذيب الواضحة : ثم تزهَد وتألَّه ولبس الصوف وبقي يركب حمارًا ويمرُّ وحده في الأسواق ويقيم الحسبة بنفسه - ويقال إنه أراد أن يدّعي الإلهية كفرعون وشرع في ذلك فخوّفه خواص دولته من زوال دولته فانتهى وكان المسلمون والذمَّة في ويل وبلاء شديد معه )
وألان سنبين لكم أكاذيب الذهبي قاتله الله وسنركز على التناقضات في اقواله : 

يقول اقبل على التأله والدين !! أين الدليل على انه اقبل على التأله ؟ للأسف لا يوجد عند الذهبي دليل الا كلمة يقال ! ولو سأل عاقل نفسه : ما هو الدين الذي اقبل عليه الامام الحاكم ؟؟؟؟ وكيف يتفق قوله بأن الامام الحاكم بأمر الله عليه السلام أقبل على التأله والدين في أن واحد ؟ 

وللتأكيد على بطلان قول الذهبي أليكم ما ذكره المقريزي هنا : 
وفي رجب قرئ سجل بمنع الناس من تقبيل الأرض للحاكم وبمنعهم من تقبيل ركابه ويده عند السلام عليه في المواكب والانتهاء عن التخلق بأخلاق أهل الشرك من الانحناء إلى الأرض فإنه صنيع الروم وأمروا أن يكون للسلام عليه‏ :‏ السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته‏. ونهوا عن الصلاة عليه في المكاتبة والمخاطبة وأن تكون مكاتبتهم في رقاعهم ومراسلاتهم بإنهاء الحال ويقتصر في الدعاء على سلام الله وتحياته وتوالى بركاته على أمير المؤمنين ويدعى له بما سبق من الدعاء لا غير ‏.‏ 
ويقول المقريزي أيضا : وفي رجب قرئ سجلان أحدهما فيه إنكار الحاكم على من يخاطبه في المكاتبة بمولى الخلق أجمعين والآخر بمسير الحاج أول ذي القعدة‏ .‏ !! أنظر كتاب اتعاظ الحنفا !! 

ويقول عبدالله عنان : ( كان الامام الحاكم يحتقر الألقاب كما يحتقر متاع هذه الدنيا ، اشتهر بالزهد والورع وأدهش الناس بتصوفه الفلسفي ، اقتصر طعامه على ابسط ما تقتضيه الحياة من القوت المتواضع ) 
أنظر الحاكم بأمر اللّه لمحمد عبد اللّه عنان !! 


فهل الذي يأمر بهذه الاوامر ويتصف بهذه الصفات يسعى إلى التأله ؟؟؟ 

أما قول الذهبي بأنه أخذ يقتل أهل العلم فهذا من الكذب الذي اعتاد عليه هذا المؤرخ المعتوه - لان الجميع يشهد بمحبة الامام الحاكم بأمر الله بصفة خاصة والفاطميين بصفة عامة للعلم والعلماء وقد وصف الكثير من العلماء دار الحكمة في عهد الامام الحاكم بأمر الله بأنها كانت من أرقى المؤسسات العلمية في ذلك العصر . 
ولو كان يقتل العلماء كما قال الذهبي لما وصلت الى ذلك المستوى ؟ 

يقول السيد مير علي في ( مختصر تاريخ العرب : 
كان الفاطميون في أول عهدهم كالبطالسة الأولين يشجعون العلم، ويكرمون العلماء، فشيدوا الكليات والمكاتب العامة ودار الحكمة، وحملوا إليها مجموعات عظيمة من الكتب في سائر العلوم والفنون والآلات الرياضية، لتكون رهن البحث والمراجعة، وعينوا لها أشهر الأساتذة، وكان التعليم فيها حراً على نفقة الدولة، كما كان الطلاب يمنحون جميع الأدوات الكتابية مجاناً، وكان الخلفاء يعقدون المناظرات في شتى فروع العلم، كالمنطق والرياضة والفقه والطب، وكان الأساتذة يتشحون بلباس خاص عرف بالخلعة، أو العباءة الجامعية - كما هي الحال اليوم - وارصدت للانفاق على تلك المؤسسات، وعلى أساتذتها، وطلابها وموظفيها املاك بلغ ايرادها السنوي 43 مليون درهم، ودعي الأساتذة من آسيا والأندلس لإلقاء المحاضرات في دار الحكمة، فازدادت بهم روعة وبهاء 

ونقول ايضا لو لم يكن للإمام الحاكم بأمر الله الا موقفه النبيل مع أبو العلاء المعري لكفاه عندما علم عليه السلام بكثرة الطلاب والأدباء والعلماء الذين كانوا يتوافدون على منزل ابو العلاء المعري لطلب العلم والمعرفة . فأمر له بخراج المعرة السنوي مدة حياته !! 
فهل سبق وأن قام أحد خلفاء بني أمية أو بني العباس بمثل ذلك ؟ 


يتبع

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دعاء الاستحفاظ

الداعي جعفر بن منصور اليمن

اذكار الصباح

النبيّ الهاشمي صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم في سطور

سيدنا / الأحنف بن قيس

مقتطفات تاريخية فاطمية

أواني الكريستال الصخري (البلور) من العصر الفاطمي

إيجابيات العصر الفاطمي

العزيز بالله الفاطمي

الداعي المطلق علي بن محمد بن الوليد الأنف القرشي