قبسات من سيرة الامام الحاكم بأمر الله والرد على بعض المسائل ١


قبسات من سيرة الامام الحاكم بأمر الله والرد على بعض المسائل

كان الحاكم بأمر اللّه حاكماً حقيقياً، يقبض على السلطة بيديه القويتين، ويشرف بنفسه على مصاير هذه الدولة العظيمة، ويبدي في تدبير شؤونها نشاطاً مدهشاً، فيباشر الأمور في معظم الأحيان بنفسه، ويتولى النظر والتدبير مع وزرائه، وهكذا كان الأمير اليافع يؤثر العمل المضني على مجالي اللهو واللعب التي يغمر تيارها من كان في سنه، وفي مركزه وظروفه . وقد لزم الحاكم هذا النشاط المضني طوال حياته، وكان ذا بنية قوية متينة، مبسوط الجسم، مهيب الطلعة، له عينان كبيرتان سوداوان، تمازجهما زرقة، ونظرات حادة مروعة، كنظرات الأسد، لا يستطيع الإنسان صبراً عليها، وله صوت قوي مرعب، يحمل الروع إلى سامعيه ! 
المصدر كتاب الأستاذ عنان «الحاكم بأمر اللّه» ص 103 طبعة ثانية .




السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة 
هناك الكثير من المؤرخين كتبة الاعصر السالفة سخروا أقلامهم لتشويه سمعة وتاريخ الاخرين والطعن في معتقداتهم ولو بحثنا عن الاسباب لوجدنا أن كل تلك التهم والأقوال والحملات المغرضة يشوبها كدر الخصومة السياسية والاختلافات المذهبية . وهذا ليس بمستغرب خاصة في الأزمنة السابقة التي شهدت انقسامات ومؤامرات ودسائس لا حصر لها ولا داعي لذكرها . 
إنما المستغرب أن نجد رغم التقدم العلمي والتطور الحضاري والانفتاح الذي يشهده العالم اليوم من لا يزال يسير على نفس الخطى فنراه يجهد نفسه باحثا في كتب التاريخ عله يجد ما يعتقد أنه يسيء للأخر ولرموزه الدينية ليبدوا في زعمه جاهلا وديكتاتورا مستبدا ويقوم بأعمال وتصرفات غير معقولة وعندما يجد بعض الحوادث التي لا يعلم عنها إلا من خلال أقوال بعض المؤرخين المتعصبين لا يتواني في نشرها والسخرية منها كل ذلك لينال ما يرضي شهوته ويشبع نهمه وليوهم نفسه بأنه قد أتى بما لم يأتي به من سبقه من جهابذة القصاصين . 

هناك من تعرض لسيرة الامام الحاكم بأمر الله عليه السلام بشيء من التهم الغير صحيحة وان كان صاحب أو صاحبة ذلك المقال قد اعتذر عما بدر منه فذلك شيء مقدر لدينا ولكن من أجل إيضاح الصورة التي ربما غابت عن أذهان البعض أحببنا إيراد لمع من سيرة الامام الحاكم عليه السلام وبعض الأحداث التي وقعت في عهده وموقفه منها ولنبدأ بقضية منعه لزراعة الورقيات مثل الملوخية والرجلة والسبانخ وغيرها ومنع صيد الأسماك التي ليس لها قشر ومنع زراعة العنب ومعاقبة كل من يضبط لديه مخزون من القمح أكثر من احتياجه وبهدف احتكاره ورفع سعره والتي يظن البعض إنها من أجل إخضاع الناس وظلمهم وحرمانهم من أشياء محببة لنفوسهم أو انه لعداء مكنون لمن يقال بأنه يفضل تلك الأكلات وغير ذلك من الاستنتاجات الخاطئة . 
والحقيقة أن من يقول بهذا لم يميز بين الغث والثمين ولا بين الصدف والجوهر ولو نظر أولئك المتوهمين وفكروا بعقولهم لتنصلوا مما يقولونه ولعلموا بأن فكرة الامام الحاكم عليه السلام وهدفه من إصدار مثل ذلك القرار كان لغاية أسمى وأنبل مما اعتقدوه وقد أثبت العلم والعقل والمنطق صحة ما قام به عليه السلام باعتراف المصريين أنفسهم والخبراء وكل المنصفين في العالم . 


إذا تعالوا لنتعرف على الأسباب والخلفيات التي أدت إلى إصدار مثل ذلك القرار ونقف على حقيقة دوافعه . 
ذكرت بعض المصادر التاريخية بأنه حصل في عهد الامام الحاكم عليه السلام نقص في مياه النيل أدى إلى تراكم الطمي في المجاري المائية و تكاثر الشجيرات والحشائش فانسدت الترع والقنوات وتبدد الماء وانصرف المزارعون عن زراعة الحبوب التي عليها عماد المعيشة وأدى ذلك إلي نقص كبير في مخزون البلاد من الحبوب وكادت أن تحصل مجاعة يهلك فيها الكثير من البشر . 

عندها تدخل الامام عليه السلام بحكمته ونظر إلى مصلحة الناس والمجتمع ككل والى ما يخلصهم ويدفع عنهم كارثة الجوع والعطش والمرض فتفتقت عبقريتة عليه السلام عن نظرية اقتصادية بحتة تمثلت في منع زراعة الورقيات التي تسنزف الكثير من المياه ليركز الناس علي زراعة الحبوب وفي مقدمتها القمح . . 
ومنع صيد ذلك النوع من الأسماك المسمى ( القرموط ) لانها تلتهم الأعشاب والطين فتساعد علي تطهير المجاري المائية . ثم منع زراعة العنب لأن المصريين كانوا يعصرونه ويخمرونه ليسكروا به 
ثم كان الحسم بالضرب علي يد محتكري الحبوب الذين يستفيدون من ألازمات والظروف الاستثنائية ! 

كانت النتائج أن توفرت المياه التي تصرف هدرا في زراعة بعض المزروعات التي لا يستفاد منها في تلك الظروف الحرجة لصالح زراعة السلع الاساسية كالقمح وغيره وبفضل الأوامر التي منعت وشددت العقوبات على محتركي الحبوب من التجار وغيرهم تم تجاوز ألازمة وتوفرت في الأسواق الحبوب وخفت معاناة الناس ! 

وهناك أمرا هام يجب التذكير به وهو أن البعض يعتقد إن الامام الحاكم عليه السلام منع زراعة بعض الورقيات وصيد ذلك النوع من الأسماك بصفة مستديمة وهذا غير صحيح إطلاقا لان ذلك المنع كان فقط في ظروف استثنائية ولفترات محدودة والجميع يعلم بأن ذلك شيء طبيعي ويحدث في كل الدول وفي كل العصور فقد تقوم الدولة في أي وقت تراه بحظر زراعة أي صنف وتطلب من المزارعين التركيز على زراعة نوع أخر خاصة في أوقات الجدب والقحط أو عند الخشية من حصول نقص في مخزون البلد الاستراتيجي من السلع الاساسية التي يعتمد عليها الناس وقد تمنع استيراد أي سلعة أو مادة وقد يحظر صيد أي نوع من الأسماك أوالطيور وما شابه ذلك . لأن هذه الأمور طبيعية وترجع للظروف ولتقدير المسئولين في الدولة ولصناع القرار بصفتهم المعنيين بما يحقق المصلحة العامة للبلد ولسكانه ! 

ومن يقول بأن الامام الحاكم منع زراعة بعض الورقيات لانها أعجبته أو من أجل تخصيصها لنفسه وحرمان الناس منها فقد جانبه الصواب لاسباب كثيرة منها انه كان يحكم أكبر واقوى دولة أنذاك وباستطاعته ان يخصص مساحة كافية أو حتى منطقة كاملة لزراعة الانواع التي يريدها فتكفيه وتزيد . وباستطاعته كذلك أن يجلبها من الخارج بكل سهولة ! والاهم من هذا وذاك وهو الواقع والصحيح أن المؤرخون اجمعوا على تقشفه وزهده في المظاهر العامة وفي حياته ، واحتقاره للرسوم والألقاب والمواكب الفخمة التي امتاز بها الخلفاء وكان يميل إلى تخفيف الضرائب عن كاهل الشعب ، وعدل الأسعار ، وضرب كثيرا من الباعة ، وشهر بهم لمخالفتهم التعريفة الرسمية ، وأصلح المكاييل وأعتق كل ما يملك من الرقيق ، وكانوا جمعا غفيرا ، ووهبهم الأموال والأملاك ليعتاشوا بها ! 


كما أن زراعة العنب لم تمنع بمفهوم المنع وإنما منع التجار من بيع كميات كبيرة للشخص الواحد منه ومن الزبيب لان البعض يقوم بعصره وتخميره واستعماله كشراب مسكر ويبيعه للناس والإمام الحاكم عليه السلام كما تذكر غالبية المصادر قام بعدة إصلاحات وأعمال كثيرة سوف نتطرق إليها في الوقت المناسب ومن جملتها التشديد في منع الخمور وشرب المسكرات حيث تجاهر الكثيرين من الناس في الشوارع والطرقات بشربه حسبما يذكره المقريزي في كتابه ( اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا ) ومن جملة ما ذكر هذه الطرفة فقال : 
( تتبع من يبيع العنب واشتد الأمر فيه بحيث لم يستطع أحد بيعه فاتفق أن شيخا حمل خمرا له على حمار وهرب فصدفه الحاكم عند قائلة النهار على جسر ضيق فقال له ‏:‏ من أين أقبلت ؟ قال من أرض الله الضيقة ‏.‏ فقال‏:‏ يا شيخ أرض الله ضيقة فقال ‏:‏ لو لم تكن ضيقة ما جمعتني وإياك على هذا الجسر‏ .‏ فضحك منه وتركه ‏.‏ !! 

ومن يقراء الكتب التاريخية يجد ان بعض مؤلفيها بالغ كثيرا في نقل بعض الأخبار والأعمال والروايات ولو نظرنا إلى المقريزي كمثال بصفته قد يكون منصفا أكثر من غيره مع أن ( في كتبه بعض المغالطات ) نجد انه يسرد الإحداث على شكل قرارات متتابعة ومتكررة ويشير إلى الخبر مجرد إشارة دون إن يتطرق للأسباب والخلفيات فنراه مثلا يقول : ومنع الناس من الجلوس في الحوانيت ‏- وسمح ببيع كذا - ومنع بيع كذا – وضرب فلان - وقتل علان وهكذا ! 
ومن غير المعقول أن نتخذ من روايات التاريخ المبتورة وآحاد الأخبار مثل التي اشرنا إلى بعضها أعلاه مقياساً نحتكم إليه في بيان القيمة الواقعية الحقة ولكن صحة المنهج السليم تقضي أن نوثق الأخبار أولا وأن ننتهي إلى الأسباب والخلفيات لكي لا يكون الخبر مجرد مقولة أو إشاعة أصدرها حاسد أو عدو لان نقص المعلومات تؤدي إلى التحريف والتبديل والزيادة والنقصان وإذا لم تتوفر للخبر جميع الشروط التي تحقق سلامته وصحته فلن يكون هناك فصل في قيمتة التاريخية . ولكن أنّى لنا هذه الثقة الحاسمة في أخبار التاريخ الإسلامي الملي بالمغالطات والأحقاد والانقسامات إضافة إلى إن غالبيته لم يدوّن في حينه ولم تستكشف وثائقه ومصادره وما يروى منه نتف مضطربة وأساطير تافهة وروايات مخلطة لاتنتهى أبداً إلى يقين يمكن الاطمئنان إليه أو الاعتماد عليه.

يتبع باذن الله 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دعاء الاستحفاظ

الداعي جعفر بن منصور اليمن

اذكار الصباح

النبيّ الهاشمي صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم في سطور

سيدنا / الأحنف بن قيس

مقتطفات تاريخية فاطمية

أواني الكريستال الصخري (البلور) من العصر الفاطمي

إيجابيات العصر الفاطمي

العزيز بالله الفاطمي

الداعي المطلق علي بن محمد بن الوليد الأنف القرشي